معلّم يضرب ضيوفه..


معلّم يضرب ضيوفه



حدّثنا جدّ أشعب قال: كنت رجلا أكولا ، لا فظّا ولا خجولا

إذا وُضع الطعام أمسكت عن الكلام ، وبادرت إلى الأخذ بالزّمام

فلا يقتفي أثري إلاّ من شحذ أضراسه وقطع أنفاسه ، وأحكم ركبتيه

وثبّت رأسه . فلم أذكر أنّي شبعت من طعام أو سبقت إلى قيّام قطّ

إلاّ الحريرة فإنّها كانت أبغض الطعام إلىّ وأقبحه بين يديّ .

وإذا وجدت فيها ريح الثّوم فزعت منها فزع الغراب من البوم ، فمررت

بأيّام عصيبة قلّ فيها المضغ حتّى صدئ الصّدغ ، وضمرت البطون

حزنا على فقد الصحون ، وبينما أنا أترصّد القوت فرارا من الموت فإذا

بالبشير ينادي في كلّ أنحاء البلاد ، أنّ معلّم القرآنِ فلانا الفلاني

يُطعم لحم العجل ويضرب الضّيف الممتنع عن الأكل .

فسال لُعابي حتّى بلّل أثوابي ، وقلت في نفسي إنّ هذا المعلم رجل

فاضل لا ينكر فضله إلاّ جاهل . فوالذي نفسي بيده إنّ الضيف الخجول

لخليق أن يُهتك ستره ويُجلد ظهره ، وعزمت أن أزوره كي أحقّق مبتغاه

وأحظى برضاه . فصلّيت خلفه صلاة هزيل متظاهراً أنّي عابر سبيل .

فلمّا قُضيت الصّلاة طلب منّي أن أصحبه إلى بيته لأشركه في

قوته ، فقلت له جزاك الله خيرا يا إمام وأبقاك ذخراً للفقراء والأيتام .

وسرنا حتّى دخلنا داره فاختلى بأهله ساعة ثمّ عاد إلي ّبعسّ حريرة

يغيب فيه الراس قطّعت حبّات الثوم فيه بحجم الأضراس ، وطفت

فوق سطح الحريرة كأنّها مجموعة بطّ في بركة صغيرة ، ثمّ وضع

دِرّته إلى جانبه وقال : أطفئ نار جوعك أو أُعمل الدرّة في ضلوعك .

فما إن رفعت الملعقة إلى مستوى ذقني حتّى قفز بطني وشعرت

بدوّار في راسي واضطراب في أنفاسي ، ولشدّة الفرقِ تظاهرت

بالشّرقِ وصحت في وجهه أدركني يا إمام بالماء قبل أن تعرج روحي

الى السماء ، وانتهزت فرصة غيابه كي أتخلّص من عقابه ، فبحثت

عن مكان أدفن فيه الحريرة وأنهي بذلك مغامرتي المثيرة .

فما وجدت مكانا تُخبّأ فيه الشعرة أو تغوص فيه الإبرة ، فأخذت

العسّ وأفرغت ثلثيه في حذائي ، ثمّ عدت إلى جلستي معدّلا ردائي.

فلمّا عاد الرجل وجم من العجب وانتشى من الطرب ، وقال : من

أكل طعامه قد أوجب احترامه ، قم يا ضيفي العزيز أشيّعك . فأدخلت

رجليّ برفق في الحذاء وقلت سر أمامي يا سيّد العلماء ، فتبعته إلى

باب الدّار والحريرة خلفي جداول وأنهار ، ثمّ أسلمت ساقي ّللريح

تاركا معلمنا الفاضل يصيح ، فعلتها يا حمار بن حمار..






from منتديات الشروق أونلاين http://ift.tt/1uZvtiU