المملكة ولبنان.. علاقات تاريخية ترفض القطيعة وتختزل الجغرافيا

"الملك فيصل الله يحييه، وشارل الحلو وش حلاته.." مطلع قصيدة يرويها لنا الزميل مدير التحرير سالم الغامدي عندما خرج طلاب المدارس في الرياض قبل خمسين عاما لاستقبال ضيف البلاد آنذك الرئيس اللبناني شارل الحلو في عهد الملك فيصل -رحمه الله-.

بالتأكيد حال تعكس واقع وطبيعة العلاقات التي تربط بلدين شقيقين، وخصوصية متفردة، حيث أن العلاقات السعودية - اللبنانية نموذجية في تاريخ العلاقات بين الدول، رغم اختلاف العادات والتقاليد والمساحة والتضاريس، وطالما احتضنت الشقيقة الكبرى، المملكة العربية السعودية لبنان أرضاً وشعباً، بالرعاية والاهتمام والمساعدة، والإسراع إلى نجدته ومدّ يد العون والإغاثة في الأزمات وأيام الضيق، واحتضنت المملكة قضايا لبنان العادلة على الصعيدين الإقليمي والدولي ودافعت عن حقوقه ومطالبه في المحافل الأممية، خاصة ضد الاعتداءات والأطماع الاسرائيلية.

ولما كان لبنان يحظى بمكانة خاصة مميزة بين أشقائه العرب، نظراً إلى موقعه المتوسط ونظامه الفريد وتعدد طوائفه وانفتاحه على الشرق والغرب، وحب أبنائه للعمل والتجارة والسفر والمغامرة، فإن هذه الحظوة كانت الأبرز على الساحة السعودية منذ استقلال لبنان وبدء مسار نظامه الرئاسي وتشكيل الحكومات الوطنية مع الرئيس بشارة الخوري ورئيس الوزراء رياض الصلح.

زيارة زعيم تاريخي

وسجّل المراقبون باكورة العلاقات المميزة التي أرسى دعائمها الرئيس كميل شمعون أول الرؤساء اللبنانيين الذي زار المملكة العربية السعودية، بعد تسلمه سدة الحكم عام ١٩٥٢ على رأس وفد رسمي رفيع، وكان موضع حفاوة وتكريم سيد الجزيرة العربية بدون منازع، الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، القائد التاريخي الذي تسابق رؤساء الدول الكبرى إلى كسب ودّه والتعرف عليه وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي روزفلت، ورئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل في ذلك العصر.

وقد سرّ الرئيس اللبناني والوفد المرافق بطيب اللقاء والاهتمام الملكي الكبير بهم ترحيباً وتقديراً وحسن وفادة، وأعجبوا أيما إعجاب بما سمعوه من الملك عبدالعزيز حول معرفته الكثير عن لبنان، ما يؤكد ويدل على سعة اطلاعه وغزير قراءاته المتنوعة في زمن ندرة الاتصالات وصعوبتها، وخلال الزيارة وجّه الملك المؤسس نصائحه الأبوية الحكيمة والسديدة للرئيس شمعون ومرافقيه، لافتاً -رحمه الله- إلى تعدد الطوائف والمذاهب في لبنان رغم صغر مساحته، الأمر الذي يوجب البعد عن التحالفات والمحاور، وشدد الملك عبدالعزيز على أهمية الحوار والتفاهم وضرورة التعاون والتعاضد بين جميع الأطياف والفرقاء اللبنانيين لينعم الوطن بالأمن والاستقرار، بعيدا عن الأطماع، مؤكدا الحرص الشديد على الوحدة الوطنية التي تحفظ للبنانيين منعتهم وتصون استقلالهم.

قائد بعيد النظر

وانطلاقا من هذا الموقف التاريخي للملك المؤسس، كان للبنان وشعبه منذ توحيد المملكة على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن ال سعود -رحمه الله- مكانة خاصة ومواقف داعمة مشهودة ضد الاعتداءات الإسرائيلية، وفي مِحَنه وأزماته، حيث عملت القيادات السعودية دائما على مساعدة لبنان لحل الخلافات وتفكيك الأزمات وإبعاد شبح الكوارث والنكبات، وطالما كان الدعم الاقتصادي والاستثماري والمالي ملازما ومواكبا للدعم السياسي والمعنوي، من دون منّة أو لقاء أية بدائل أو ثمن، فقد كانت كل وسائل وميزانيات الدعم والمساعدة والعون والودائع والهبات والمنح السعودية، لما يقرب من ستة عقود، مجردة من الغايات، بل هي احتضان ودعم الشقيقة الكبرى للبنان أرضا وشرعية وشعبا.

وكان الملك عبدالعزيز أول المبادرين إلى الاستعانة بالخبرات اللبنانية قبل استقلال لبنان، حيث استعان بالخبراء والمستشارين أصحاب الفكر والرأي وحسن الإدارة من الدول العربية المختلفة، كمصر ولبنان وسوريا والعراق وليبيا وغيرها، عملوا جميعا في خدمته بكل إخلاص ووفاء، فوثق بهم الملك وكرّمهم ووصلوا إلى مراكز متقدمة في الديوان الملكي أو سفراء في الدول المهمة، وكان اللبناني فؤاد حمزة بين كوكبة هؤلاء المستشارين الذين أمضوا عقودا من أعمارهم تحت خيمة الملك عبدالعزيز، وقد تسلم نجل المستشار فؤاد حمزة العام الماضي وساما رفيعا لذكرى والده من المملكة العربية السعودية.

استقطاب الخبراء

واستعان الملك المؤسس في ذلك الحين أيضا بالمهندس اللبناني المرموق موريس الجميل، سعيا للحصول على خبرته في مجال المياه، حيث تشكو الجزيرة العربية من ندرة الأمطار وفقدانها للأنهار والينابيع، وكانت محدودة وغير غزيرة، والمملكة يتوسع أفق العمران فيها والسكان في ازدياد، وبتوجيه من الملك عبدالعزيز، جال المهندس موريس الجميل على عدد من المناطق السعودية وفي أرجاء تضاريسها المختلفة مع عدد من المساعدين والمرافقين، وبعد البحث الميداني والتدقيق، نصح الجميّل بإنشاء السدود أو البحيرات الاصطناعية لتوفير مياه الأمطار في موسم الشتاء، وباتت العديد من المناطق السعودية تحتضن سدودا كبيرة لتخزين مياه الأمطار وتختزن مياه السيول.

وكان للمفكر والأديب اللبناني أمين الريحاني شرف اللقاء مع الملك عبدالعزيز والاستئناس بكرم ضيافته ومرافقته في بعض رحلاته، فروى وكتب الكثير عن الملك عبدالعزيز وعهده الميمون، كما برز كثير من اللبنانيين الذين عملوا في المملكة أواخر عهد الملك عبدالعزيز، ثم العهود اللاحقة لأبنائه البررة، فبنى هؤلاء اللبنانيون صروحاً ومؤسسات خلال عملهم بالتجارة والمقاولات واستثمارات أخرى وجمعوا ثروات، منهم الحاج حسين العويني الذي وصل إلى سدة رئاسة مجلس الوزراء، ورجل الأعمال نجيب صالحة الذي يملك أبناؤه فندق فينيسيا الشهير في بيروت وغيره من الاستثمارات، والرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي حظي بثقة الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمهما الله- ليصبح فيما بعد موفداً سعودياً للمساهمة في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء اللبنانيين في النصف الثاني من الحرب الأهلية اللبنانية ووسيطاً موثوقاً من جميع الأطراف، معززاً بتوجيهات القيادة السعودية لوقف آلة الدمار والقتل وحقن دماء اللبنانيين، الأمر الذي توّج بإنجاز اتفاق الطائف العتيد، ومن ثمّ وصول الحريري إلى رئاسة الوزراء، من دون أن ننسى رئىس الوزراء اللبناني الأسبق صائب سلام وما كان يربطه من علاقات شخصية حميمة مع عدد من الشخصيات السعودية.

لبنانيون ناجحون

ونجح عشرات من رجال الأعمال اللبنانيين في توطين استثماراتهم في أسواق المملكة، وكانت استثمارات مربحة، وذلك في شراكات مع إخوانهم السعوديين، فأنشأوا المصانع والمعامل والشركات المتعددة الناجحة والمربحة أمثال رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي ووزير المال السابق محمد الصفدي والوزير السابق نعمة طعمة والوزير السابق جورج افرام، وأسماء أخرى عديدة يصعب ذكرها في هذه العجالة، عاد بعضهم إلى لبنان للمشاركة في الحراك السياسي وتسلّموا مناصب قيادية في الوزارات وإدارات الدولة المختلفة، أو أصبحوا أعضاء في مجلس النواب، ولا يزال بعضهم يقضي أوقاتا في المملكة لمتابعة أعماله موزعا نشاطاته وأيام الاسبوع بين لبنان والسعودية. هكذا تفيدنا مسارات التاريخ في كل عهد، من المؤسس إلى الملك سعود بن عبدالعزيز واضع لبنات المؤسسات العصرية في المملكة، إلى الملك فيصل، إلى عهد الملك خالد، وصولا إلى الملك فهد بن عبدالعزيز - صاحب مشروع اتفاق الطائف الذي حقن دماء اللبنانيين بعد أكثر من ١٥ عاما من الاقتتال الطائفي وحروب الآخرين على أرض لبنان- وحفظت المملكة العربية السعودية في عهد الملك فهد لبنان من الدمار الشامل وفقدان الهوية. ورغم بقايا الخلافات والارتدادات والإفرازات والتداعيات بعد عقد اتفاق الطائف، ورغم عدم تطبيق جميع ما ورد فيه من بنود، وصولا إلى الحقبات التالية حتى يومنا هذا، إلا أن اتفاق الطائف باعتراف جميع اللبنانيين أحزابا وفرقاء، طوائف ومللا، مؤسسات وهيئات، كان ولا يزال حتى يومنا هذا المرجع الذي حفظ ويحفظ لبنان رغم الاختلافات والأزمات وتصارع التيارات والأحزاب على الساحة اللبنانية، وهو بالتالي وديعة سعودية لا تقدر بالملايين. يكفي أنها حقنت دماء اللبنانيين وأوقفت آلة الرعب والقتل والدمار.



from الرئيسية http://ift.tt/2i449VH http://ift.tt/2i6lqZu