الاتحاد الأوروبي أرض خصبة للإرهاب

ليست ظاهرة الإرهاب جديدة على دول الاتحاد الأوروبي، بل إن عدة دول أوروبية شهدت خلال العقود الأربعة الماضية فترات حرجة جدا بسبب العمليات الإرهابية الدامية المنسوبة إلى مجموعات يسارية متطرفة أو مجموعات انفصالية أو إسلامية متطرفة، وهو مثلا حال بريطانيا العظمى وفرنسا وألمانيا، فالعمليات الإرهابية المرتبطة بالنزاع في إيرلندا الشمالية خلفت قرابة ألفي قتيل بين المدنيين خلال الفترة الممتدة من ستينات القرن الماضي إلى نهاية التسعينات.

وكان جزء كبير من المطالبين بانفصال إيرلندا الشمالية عن المملكة المتحدة يرون أن اللجوء إلى الإرهاب ضرورة لفرض مطالبهم، وفي شهر يوليو عام 2005، وقعت في لندن سلسلة من العمليات الإرهابية أدت إلى مقتل 56 شخصا وإصابة 700 آخرين بجروح، واكتشف البريطانيون أن مرتكبي هذه الاعتداءات هم شبان بريطانيون أوقعت بهم شبكات متطرفة إسلامية، وتُعَدُّ هذه الاعتداءات في نظر الخبراء الأوروبيين المتخصصين في التصدي للإرهاب فرصة كان بالإمكان انتهازها من قبل دول الاتحاد الأوروبي لتعزيز استراتيجية التصدي لهذه الظاهرة وإدراج حلقة تظل هشة حتى الآن في الاستراتيجية الأوروبية للتصدي للإرهاب هي العناية كما ينبغي بأبناء أوروبا أنفسهم من الذين يتحولون إلى إرهابيين في عقر دارهم بأوامر تأتيهم من خارج أوروبا.

وإذا كانت إسبانيا قد مرت بفترات صعبة خلال العقود الأربعة الماضية بسبب المنتمين للحركة الانفصالية الباسكية، فإن الشبكات المتطرفة التي تمارس العمل الإرهابي باسم الدين فرضت نفسها على مسار هذا البلد مع ظاهرة الإرهاب من خلال العملية الإرهابية التي حصلت في محطة القطار بالعاصمة الإسبانية في الثالث عشر من شهر مارس عام 2004 وأدت إلى مقتل 191 شخصا وإصابة المئات بجروح.

أما فرنسا التي عرفت الإرهاب المنسوب إلى بعض الحركات اليسارية المتطرفة في سبعينات القرن الماضي لاسيما عبر مجموعة "العمل المباشر"، فإنها كانت في تسعينات القرن الماضي في بعض الأحيان ساحة خلفية لعمليات إرهابية كانت المجموعات الإسلامية المتطرفة في الجزائر وراءها، وسمحت هذه العمليات لفرنسا والجزائر بالتعاون بشكل مكثف في مجال تقاسم المعلومات المتصلة بمراقبة الأشخاص المنتمين إلى الشبكات الإرهابية أو المشتبه بانتمائهم إليها والتي ساعدت على تجنب أعمال إرهابية لا في الجزائر وفرنسا فحسب بل أيضا في بلدان أوروبية أخرى غير فرنسا وفي منطقة الساحل الإفريقي.

والحقيقة أن فرنسا تظل في واجهة العمليات الإرهابية التي يرتكبها تنظيم "داعش" في دول الاتحاد الأوروبي لعدة أسباب من أهمها انخراط هذا البلد في التحالف الدولي ضد التنظيم الإرهابي في سوريا والعراق وفي منطقة الساحل الإفريقي. ومن أكثر العمليات الإرهابية دموية من تلك التي قام بها تنظيم "داعش" في فرنسا وطالت العاصمة وضاحية "سان دونيه" «في نوفمبر عام 2015 وأدت إلى مقتل 130 شخصا وإصابة أكثر من أربع مائة بجروح واعتداء الدعس بشاحنة على المارة في مدينة نيس يوم الاحتفال بالعيد الوطني أي يوم الرابع عشر من شهر يوليو عام 2016، وبلغ عدد ضحايا الاعتداء من القتلى 86 شخصا بينما تجاوز عدد الجرحى 450. ومن خصائص هذا الاعتداء أن قرابة نصف ضحاياه هم من غير الفرنسيين في إشارة يلح عليها الخبراء المتخصصون في هذه الظاهرة ومفادها أن الأسرة الدولية برمتها مضطرة إلى التعاون ليل نهار في كل المجالات للتصدي لآفة عالمية تطال المدنيين حيثما يكونوا وأيا تكن انتماءاتهم.

وإذا كانت ألمانيا بدورها قد شهدت أعمالا إرهابية لديها علاقة بأنشطة بعض الحركات اليسارية المتطرفة في سبعينات القرن الماضي لاسيما عبر "جماعة الجيش الأحمر" التي كانت تُعرف أيضا باسم "بادر ماينهوف"، فإنها أصبحت بدورها إحدى وجهات العمليات الإرهابية التي يأتيها تنظيم "داعش" في أوروبا شأنها في ذلك شأن بلجيكا التي حصلت فيها عدة عمليات إرهابية من أكثرها دموية العمليتان اللتان طالتا مطار بروكسيل ومترو الأنفاق فيها يوم السادس والعشرين من شهر مارس 2016 وأدتا إلى مقتل 32 شخصا وإصابة 250 آخرين بجروح.

مراجعة ضرورية

ولقائل أن يقول إن تجربة دول الاتحاد الأوروبي الطويلة مع الإرهاب يفترض مبدئيا أن يجعلها قادرة على التصدي للظاهرة بشكل ناجع، والحقيقة أن النجاعة في التصدي لهذه الظاهرة لا تقاس بعدد الأشخاص الذين يتم إيقافهم بقدر ما تقاس من خلال استراتيجية طويلة الأمد متعددة الجوانب ومتناسقة، وتبدو حصيلة التعاون بين أن دول الاتحاد الأوروبي دون المستوى المطلوب في ما يتعلق بالمساعي المشتركة الرامية إلى إرساء أجهزة مشتركة مهمتها مساعدة دول الاتحاد الأوروبي على التنسيق بين بعضها البعض في ما يخص مثلا مراقبة حدود أوروبا الخارجية والحدود الفاصلة بين هذا البلد أو ذاك والتعاون بين أجهزة الاستخبارات في مجال رصد الشبكات الإرهابية داخل دول الاتحاد وفي الخارج، وغالبية هذه الأجهزة لا تتجاوز اليوم حدود الشبكات والحال أنه يُفترض منذ عقود أن تكون أجهزة قائمة بذاتها.

وصحيح أن معاهدة لشبونة التي أبرمت في عام 2007 لتطوير أداء الاتحاد الأوروبي تنص مثلا على إمكانية إنشاء نيابة أوروبية مشتركة تعنى بملف الإرهاب وتعزز سبل التصدي له عبر المنظومة القضائية، ولكن كل دولة من دول الاتحاد الأوروبي لا تزال تنظر إلى إدارة ملف الإرهاب باعتباره ملفا وطنيا لديه علاقة مباشرة بالسيادة الوطنية، ولاتزال تتحفظ في بعض الجوانب على عملية تقاسم المعلومات بين أجهزة الاستخبارات والأجهزة الأمنية والقضائية ومنظمات المجتمع المدني الأمر الذي يُضعف إلى حد كبير آلية مقاومة الإرهاب. وثمة قناعة لدى الخبراء بأن دول الاتحاد الأوروبي لم تَع بعد أهمية الاستثمار في موارد مالية وبشرية ضخمة لمعالجة مشكلتين اثنين من مشاكل الإرهاب ستطرحان بحدة في السنوات المقبلة هما مشكلة "الخلايا الإرهابية النائمة" ومشكلة التطرف، والواقع أن غالبية دول الاتحاد الأوروبي تشكو من ضعف الآليات الوطنية التي تهتم بالمشكلة الأولى، أما التجارب الإيجابية التي يمكن استمداد دروس منها في أوروبا وخارج أوروبا في مجال معالجة التطرف عبر استراتيجية تقوم في الوقت ذاته على الردع وعلى محاولة إعادة تأهيل التائبين ومساعدتهم على الاندماج في المجتمع فهي أساسا تجارب الدانمارك وبريطانيا العظمى وألمانيا.

image 0



from الرئيسية http://ift.tt/2mZ1Fq9 http://ift.tt/2mPh9QZ